الشيخ محمد الصادقي
373
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » « 1 » . فمن ازداد كفراً بعد ارتداده عن الإيمان لن تقبل توبته وان تاب ، كمن ارتد ومات كافراً ، إلا إذا كان إيماناً صادقاً لا نفاقاً ولا استهزاءً ، واما المرتد عن الإيمان - أياً كان - فطرياً أم سواه ، فقد تقبل توبته إن تاب ولم يزدد كفراً . فليس الكفر بعد إسلام دون إيمان مهدداً هنا وهناك ، انما هو الارتداد عن ايمان بعد البينات ، ثم تقبل توبة من لم يزدد كفراً أيّاً كان ، أم وان ازداد إذا تم إيمانه بعده . فإنما الإرتداد المهدَّد هو الكفر بعد الإيمان ، ضغطاً أم عن هوىً ، فإنه الافتراء الكذب على اللَّه عمليّاً كأن لم يكن الإيمان صالحاً فارتد عنه إلى سواه ، وأما الإرتداد عن الإسلام ولمَّا يؤمن إذ لم تأته بينات صدقه فلا يهدَّد هكذا بل ليس ارتداداً عن إيمان ، كما الكفر بعد الإيمان كرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان : « إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ . مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » « 2 » . فكلما كانت بيّنات صدق الإيمان وقوته ومظاهره أكثر ، فالإرتداد عنه أخطر مهما كان دركات ، بين من يرتد عن هوىً دون ضغوط ، أو يرتد بضغوط دون إكراه ، وأما الإيمان دون بينات ، أو الإسلام دون إيمان ولما تبينت له البينات ، فلا رصيد لهما في نفي ولا إثبات ، اللّهم إلا ظاهرة أحكام الإسلام ما هو مسلم ، ثم سلبها إذا رجع إلى ما كان ، دون حبوط لأعماله ولا خلود في النار ، فإنهما يختصان بالارتداد عن الإيمان ببينة كما هو ظاهر القرآن . ترى إذا رجع المرتد إلى اسلامه فهل يقبل منه على أية حال ؟ قد يقال : لا إلا إذا كان مليّاً ، ولكن ظاهر الإطلاق مِن « فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ » أنه يقبل منه مطلقاً « 3 » لا سيما نظراً إلى
--> ( 1 ) 3 : 86 - 91 ( 2 ) 16 : 105 - 107 ( 3 ) ) في الوسائل الباب 9 من أبواب المرتد الحديث ( 9 ) خبر الفضل بن يسار : ان رجلين من المسلمين كانابالكوفة فأتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فشهد انه رآهما يصليان لصنم ، فقال : ويحك لعله بعض من اشتبه عليه أمره ، فأرسل رجلًا فنظر اليهما وهما يصليان لصنم فأتى بهما فقال لهما : ارجعا فأبيا فخد لهما في الأرض خداً فأجج ناراً وطرحهما فيه